الأمير أسامة بن منقذ
45
لباب الآداب
وقالت حكماء الهند : الملك إذا لم يقبل من نصحائه ما يقبل عليه مما ينصحون « 1 » له به - : لم يحمد غبّ أمره ، كالعليل الذي يدع ما يصف له الطبيب ويعود إلى استعمال ما يشتهي ، فمن التمس الرّخصة من الإخوان عند المشاورة ، ومن الأطباء ، عند المرض ، ومن الفقهاء عند الشّبهة - : أخطأ الرأي ، وازداد مرضا ، واحتمل وزرا . وقالت حكماء الهند : الملوك ثلاثة : حازمان وعاجز . فأحد الحازمين : من إذا نزل به الأمر المخوف لم يدهش ، ولم يذهب قلبه شعاعا « 2 » ، ولم يعي برأيه وحيلته ومكيدته التي بها يرجو النجاة . والثاني - وهو أحزم من هذا - : ذو العدّة « 3 » الذي يعرف الأمر متقدما قبل وقوعه فيعظمه إعظامه « 4 » به ، ويحتال له حيلته ، كأنه رأي عين ، فيحسم الداء قبل أن يبتلى « 5 » به ، ويدفع الأمر قبل وقوعه . وأما العاجز : فهو الذي لا يزال في التردّد والتمني حتى يهلك نفسه . وقالت الحكماء : الطّمأنينة مقرونة بالمضارّ ، والحذر مقرون بالنجاة . ومن ضيّع الحزم وهو غنيّ عنه ضيّعه الحزم حين يفتقر إليه . وقالوا : من أخذ بالحزم وقدّم الحذر وجاءت المقادير بخلاف مراده - : كان أحمد رأيا وأظهر عذرا ممّن عمل بالتفريط ، وإن اتّفقت له الأمور على ما يريد .
--> ( 1 ) في الأصل « ينتصحون » وهو خطأ ، لأن قولهم : « انتصح فلان » مطاوع « نصح » أي : قبل النصيحة ، وقولهم : « انتصحت فلانا » معناه : اتخذته لي نصيحا . ومنه قولهم : « لا أريد منك نصحا ولا انتصاحا » أي لا أريد منك أن تنصحنى ولا أن تتخذني نصيحا . قاله في اللسان . ( 2 ) بفتح الشين المعجمة أي : انتشر رأيه فلم يتجه لأمر جزم . وضبط في الأصل بضم الشين ، وهو خطأ ( 3 ) بضم العين المهملة وتشديد الدال المهملة المفتوحة . وضبط في الأصل بكسر العين وفتح الدال ، وهو خطأ ( 4 ) ضبط في الأصل بضم الميم ، وهو خطأ ( 5 ) رسم في الأصل « ببتلا » بالألف .